أصدقاء المتحف

كلمة المدير

- إيماناً بعظمة الثورة التحريرية وتضحيات أبنائها من شهداء ومجاهدين وقناعةً منا لحماية رموز هذه الثورة من الزوال والتزييف وحفاظا على الذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية، نضع بين أيديكم هذا الموقع الالكتروني الذي نلخص فيه أهم المحطات التاريخية التي عرفتها الولاية التاريخية الثالثة وردا لجميل الشهداء والمجاهدين لتضحياتهم في سبيل هذا الوطن العزيز .

مجمـوعة الـ 22

رموز ومحطات

b01.jpg

 

أكلي مقران  المدعو  محند اولحاج  من مواليد 7 مارس 1911 بقرية بوزقن دوار اكفادو ناحية عزازقة منطقة تيزي وزو، من عائلة كبيرة عرفت بممارسة الفلاحة واحترفت صناعة الحدادة. جده حمو ناث واكلي، وجدته بودا فاطمة، رزقهم الله بستة أبناء؛ مزيان، حميش، قاسي، أحمد، أعمر ومحند السعيد، هذا الأخير وبعد زواجه من حباس فاطيمة، يرزقه الله بالابن الوحيد مقران.

بالرغم من الحياة الصعبة والدخل الجد بسيط ، يدخله والده المدرسة الابتدائية  الواقعة بأيت يخلف على بعد 3 كلم ، ويسجل الفتى للتمدرس ويضحى مضرب المثل في الاستقامة والطاعة والعمل، ضف إلى ذكائه وفطنته ، إذ أصبح محل إعجاب معلميه، ينجح التلميذ في امتحان الشهادة الابتدائية  بمركز الامتحان بميشلي (عين الحمام  حاليا) سنة 1926. يتوقف الفتى عن الدراسة نتيجة الدخل البسيط للعائلة الذي أصبح عائقا لمتابعة دراساته الثانوية، الحاجة دفعته للتوجه نحو الحياة العملية لمساعدة والده في صناعة الحدادة ولاكتساب معرفة وتكوين في هذه الحرفة.

 في عام 1931  يتزوج بـ حباس فاطمة ، سي محند اولحاج  وبحثا عن الرزق، يهاجر إلى فرنسا أين اشتغل في مصنع لبعض من الوقت  ، حبه لذويه ولوطنه دفعاه للعودة إلى أرض الوطن عام 1936.

يلتحق  في البداية  بمدينة سطيف  رفقة أبناء عمومته مزيان  و أعمر أين يدخل في الحياة السياسية  تحت لواء حزب فرحات عباس ، ثم يعود إلى الجزائر عام 1943 أين اشتغل بمصنع شوسينا حاليا بيوتيك الواقع بجسر  قسنطينة لمدة أربعة سنوات .

وفي عام 1947 ، يتأثر بعد توقيف أبناء عمومته من طرف السلطات الاستعمارية و الحكم عليهم بالإعدام بتهمتهم بالمساس بالأمن العام إبان أحداث الثامن ماي 1945 ، يترك عمله ويعود إلى مسقط رأسه للعمل بكل السبل لإيجاد محامين للمحكوم عليهم – هذين الأخيرين يتم الإفراج عنهم بعد وقف إطلاق النار .

منذ عام 1948 ، يدخل سي محند اولحاج عالم التجارة في مواد البناء والأغذية حيث فتح محلا باغيل بواماس بـ بوزقن- وسط -. يكتسب ثقة الموردين باعزازقة أمثال باحة وآخرون  إذ أصبح بمثابة الوسيط في التجارة بين المدينة ودوار أث يجر مدعما التجار الصغار بالقروض ، تلك مكنته من اكتساب مكانة مرموقة  في محيطه مساعدا إياهم ماديا . أيضا يسخر معظم وقته في دعم زاوية ايت سيدي أعمر اولحاج

ابتداء من عام 1953 يوسع من نشاطاته التجارية أين اشترى حصة حومة لونيس من قرية تاورير في حافلة النقل للخط الرابط عزازقة- إيلولة أين يصبح شريك الإخوة جمعي وهم أحسن ، رمضان ، عيسى ولعمارة كلهم التحقوا بالثورة فيما بعد وأضحوا شهداء ، أما الحافلة فقد أحرقت من طرف قوات الاستعمار عام 1955  بعد العملية المنفذة ضد القايد العربي إيلولة وحرسه .

اكتسب  سي محند اولحاج في تلك الآونة اسما مرموقا ذاع في المعمورة وبذل كل جهده لمساعدة عائلته المكونة من 7 أبناء وهم ؛ موح السعيد من مواليد 1933، مخلوف المولود في 1936 ،أحمد في 1940 ، زاهرة المولودة في 1943، فاطمة عام 1946، شريفة عام 1949، مليكة عام 1955.

عرف سي محند أولحاج بسيرته الحسنة و المثالية الشيء الذي جعله يعين رئيسا لجماعة دوار الأكفادو.و قد لقيت سمعته صدى، حتى خارج دواره لاهتمامه بالقضية الوطنية.

ابتداء من 1955 ، ينضم إلى صفوف الثورة التحريرية  بكل ما يملك رفقة ثلاثة من أبنائه و يهب للثورة كل ثروته من بينها مبلغ سبعة مليون سنتيم من الفرنك القديم .

إلتزامه المثالي  للثورة يمكنه من الارتقاء في سلم  القيادة في جيش التحرير الوطني ، يرقى إلى رتبة رائد -مساعد سياسي- للعقيد اعميروش ابتداء من 1957 ، يحضى بإعجاب و التقدير من طرف الجميع على مستوى السلم القيادي، نظرا لخصاله و شخصيته القوية. فكان يلقب من طرف المجاهدين ب "أمغار"- المسن- ليس لكبر سنه لكن لرزناته و نظرته الصائبة. لم يقف العدو دون اكتراث أمام قدرات الرجل في القيادة والنضال التحرري. أثناء تواجده في مركز قيادة الولاية نيابة عن العقيد أعميروش الذي كان في اجتماع مع قادة ولايات الداخل في جيجل بالولاية الثانية، استهدفه العدو للقضاء عليه بنفس الطريقة التي تم بها اغتيال الشهيد العقيد سي مصطفى بن بولعيد ( الولاية الأولى) في تفخيخ بطارية شحن جهاز الراديو ج. ر. س بكمية معتبرة من المتفجرات. وجدت البطارية المفخخة من طرف وحدات جيش التحرير و خزنت بمركز القيادة، عندما استعملت بحضور العقيد انفجرت أدت إلى استشهاد ثلاثة من طاقم الإرسال و جروح خطيرة للعقيد و الملازم الأول عبد الحفيظ أمقران.

بالرغم من ظروفه الصحية وكلت قيادة الولاية بالنيابة لسي محند أولحاج من طرف مجلس الولاية في 4 مارس 1959 ، إذ توجه قائد الولاية سي أعميروش في مهمة إلى تونس رفقة قائد الولاية السادسة سي الحواس أين اسنشهدا بجبل التامر بنواحي بوسعادة في 29 مارس1959 ، و يظل سي محند أولحاج قائدا بالنيابة للولاية إلى أن رقي عقيدا في مرحلة عسيرة أثرت على الولاية  أين أصبح النضال في مفترق الطرق، بدء بخبر استشهاد العقيد أعميروش و الأثر السلبي الذي تركه في نفسية المجاهدين، و الحملة الشرسة التي شنتها القوات الفرنسية في هذا المجال. افتقاد الثورة للبطل أعميروش أحدث فراغا وفزعا كبيرين، كان من الضروري رفع معنويات المجاهدين و السكان و الرد على دعايات العدو الانتقامية والتصدي لهم بالمقولة " كلنا أعميروش". فالكلمة حفزت كل العزم، أعطت نفسا جديدة، مسحت الفشل و دفعت قيادة الثورة بوتيرة جديدة للكفاح.

كما اعتمدت القيادة مبدأ " الاعتماد على النفس" نظرا للظرف الطارئ الذي حل بعد استشهاد العقيدين اللذان كانا في مهمة إلى الخارج لفك عزلة الداخل عن قيادة الخارج و إدخال الأسلحة والرجال.

تعتبر الولاية الثالثة من وجهة نظر العدو لموقعها الجيوستراتيجي منبعا للطاقات البشرية و المادية في المقاومة و التجنيد، كانت ساحة للمعارك التحريرية، تحملت عبء الاستعمار عبر السنين من مرارة الهجومات و العمليات العسكرية البسيكولوجية التي كثيرا ما تدعو إلى التفكير و التبصر.

تبين للمسؤول الجديد للولاية ضرورة إعادة التموقع و إعطاء نفس جديد للكفاح الذي عرف بخاصية العمليات  العسكرية البحتة و تكييفها وفقا لاسترتيجيات العدو و ما تمليه الساعة.

- مواجهة العديد من الحملات البسيكولوجية التي تقودها فصائل الإدارة الخاصة و التي جعلت من استشهاد العقيدين أعميروش و سي الحواس نهاية الكفاح و الاستسلام الحتمي لجيش التحرير.

- العمل على محو الآثار و الجروح العميقة التي تركتها العملية الشيطانية لجهاز مخابرات العدو في مؤامرته المسماة بـ" الزرق".

- إعطاء ديناميكية جديدة للحذر و تثمين العمل الاستخبراتي بكل مفاهيمه.

و إذا كانت تلك المجهودات معتبرة، فسي محند أولحاج وسي عبد الرحمان ميرة وجدا نفسهما ابتداء من جويلية 1959 أمام عملية شاسعة النطاق ضمن استرتيجية شاملة يقودها كبار جنرالات الجيش الفرنسي الهادفة إلى تمزيق جيش التحرير و تقليص قوته الضاربة بعزله عن الشعب ثم تهدينه.

            أكثر من 40000 جنديا زج بهم في أكبر و أوسع عملية سميت بـ" جومال"، على رأسها الجنرال " شال" المشؤوم، متخذا من –أرتوا-  الواقعة بأعالي جرجرة مركزا لقيادة جيوشه وبسط مخططه الجهنمي في متابعة أفراد جيش التحرير الوطني ومعاوينه، تنقية المدن و البراري في جو الأرض المحروقة.

و لمواجهة هذه السياسة يدخل محند أولحاج بكل طاقاته و قدراته التنظيمية و كفاءته في قيادة الرجال، يتخذ فورا مع قيادة الولاية فك الوحدات الثقيلة (الفيلق، الكتيبة و الفصيلة)، و إعادة هيكلتها في أفواج كومندوس خفيفة، مستقلة، موزعة عبر تراب الولاية مسندا لها حرية التنقل وضرب العدو.

وبغرض فصل جيش التحرير عن الشعب، قام العدو بتنصيب مراكز عسكرية في كل القرى و مناطق التجمع، تسييجها و مراقبتها، تحديد المؤونة وتنظيم الدفاع الذاتي بتجنيد القرويين. كل هذا لم تكن له جدوى بفضل الإعادة السريعة لتنظيم خلايا جيش التحرير الوطني من طرف قيادة الولاية طبقا لاستراتيجية العدو باتخاذ التدابير:

- تجنيد كل المسبلين ضمن وحدات الكومندوس على مستوى الأقسام لدعم و تنفيذ استرتيجية الكفاح على المستوى المحلي للتحكم أكثر ميدانيا.

- تسلل المناضلين من أجل القضية الوطنية داخل صفوف الدفاع الذاتي لتسهيل الاتصال و كسب المعلومات.

- تجنيد المرأة التي كانت تحضى بنوع من الحرية، لتكلف بالتموين و الاتصال و الاستخبارات....الخ.

هذا الانتشار التكتيكي لم يسمح فقط لجيش التحرير مواجهة سياسة التطويق المطبقة من طرف العدو لخنق الثورة، إنما بوضع أطر أكثر فعالية لعملية الكفاح، و في هذا الإطار تمكن المجاهدون من الاستيلاء وإخلاء إلى أكثر منة 20 مركزا عسكريا حيث دخلتها وحدات جيش التحرير ونجحت في السطو على سلاحها و ذخيرتها واقتطاف عدد من الأسرى في السنوات 1960-1961 ويمكن ذكر البعض منها: تالة مقر، زبوج قارة، تابودشت، ايت عيسي، القلعة، تادرث أوفلا، أيت هلال، واد جمعة.. 

موازة مع هذا، لم تفت للعقيد عملية توجيه بعض أعضاء مجلس الولاية نحو المدن لتنظيم قسمات مستقلة و كذا منطقة خامسة بالجزائر العاصمة، لدعم الكفاح مع الإخوة في الولاية الرابعة، وإحباط مخططات العدو. كما لم يدخر مجهودا لتطوير الاتصال مع فدرالية جبهة التحرير بفرنسا لتنظيم شبكات إدخال الأموال الضرورية لدعم الكفاح بالداخل  لتكون الولاية الثالثة همزة وصل بين الولايات.

            بحكمته واصل سي محند أولحاج ربط الاتصالات المثمرة مع "الضباط الأحرار" للناحية الرابعة من المنطقة الثانية، ويتجه لمقابلة هؤلاء الأبطال في ماي1961 للتسوية النهائية.

مهما كان الحال، فبفضل هذا القائد، ذو القدرات في التفكير و التحليل و اتخاذ القرار، و كذا مساعديه ذوي الثقة و الإقدام على القتال، فإن الاسترتيجية العسكرية الفرنسية و من خلال مشروع شال، باءت بالفشل في ميدان الكفاح. فالولاية الثالثة المقصودة تبقى، أكثر من كل ذي وقت مضى، قوية في استمرار الكفاح، متخذة من ذخيرة و سلاح العدو المصدر الوحيد لتموينها نظرا لتوقف قوافل التسليح ابتداء من السداسي الأول من سنة 1959 .

الجنرالات الفرنسية أصبحت تلقب العقيد سي محند أولحاج "بالثعلب الشيخ" تسمية تبقى للأبد في الذاكرة، تكالبت سياسة فرنسا، جعلت من الجنرال دوغول يحاول التفاوض ضمن استراتيجية موازية لإقصاء الحكومة المؤقتة في مخططات تتمثل في  " الاستقلال الداخلي" ثم "سلم الشجعان" وفي كل مرة يجد نفسه من جديد أمام الثعلب الشيخ، هذا القائد المتمرد جدير بقيادة مجاهدي جيش التحرير الوطني الرافض لكل مساومة.

لم يبق أمام دو غول إلا منفذ التفاوض مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية خاصة بعد المظاهرات  الشعبية العارمة التي دامت من 9 إلى 15 ديسمبر1960 عبر التراب الوطني بالرغم من تمرد كبار جنرالاته و عقدائه.

و هكذا يعود الشرف و الفضل للعقيد سي محند أولحاج مجد مليون و نصف مليون من الشهداء الأبرار وبحضور رفقاءه رفع رسميا العلم الوطني الجزائري حرة مستقلة يوم 05 جويلية 1962 في المكان الذي شهد إنزال قوات الاحتلال الفرنسي ذات يوم من 14 جوان1830 .

حبه الشديد للوطن ووعيه بالوحدة الوطنية، العقيد سي محند أولحاج يتخلى عن معارضة النظام القائم ليبعث بقواته المسلحة إلى الحدود الجزائرية المغربية في أكتوبر 1963 و مواجهة الخطر الخارجي، توفي المغفور له يوم 02 ديسمبر 1972 عن عمر يناهز 61 سنة .